
في زمن تتحول فيه كل تفاصيلنا إلى بيانات، أصبح من السهل أن يعرف عنك الآخرون أكثر مما تعرفه عن نفسك. هاتفك الذي تحمله، التطبيقات التي تثق بها، الشبكات التي تتصل بها، وحتى الصور التي تحفظها… كلها تتحول إلى خيوط معلّقة في فضاء لا نهائي، يمكن لأي مهاجم ذكي أن ينسج منها شبكة سيطرة كاملة عليك دون أن تلاحظ.
أمن المعلومات اليوم ليس مجرد كلمة متداولة، بل معركة مستمرة بين المهاجمين والمدافعين، بين من يريد حماية خصوصيته ومن يريد سرقتها.
الخطير في المشهد الحالي أن الهجمات الإلكترونية لم تعد تعتمد على طرق تقليدية. نحن أمام جيل جديد من التهديدات: هجمات تعتمد على الذكاء الاصطناعي، انتحال شخصيات رقمية، استغلال بيانات السلوك، وتحليل الأنماط الدقيقة في تصرفاتك اليومية.
المهاجم اليوم لا يحتاج أن يعرف رقمك السري بقدر ما يحتاج أن يفهمك أنت. يفهم كيف تكتب، متى تنام، من تتواصل معه، وما نوع الإعلانات التي تجذبك. هذه المعلومات وحدها تكفي لبناء ملف كامل يمكن استغلاله في اختراقات صامتة.
تخيّل أن مجرد تحميل تطبيق مجاني قد يمنح جهة مجهولة القدرة على تتبع موقعك، الوصول للكاميرا والمايكروفون، أو جمع سجل اتصالاتك. كل ذلك يحدث بينما تظن أنك «محمي» لأنك لا تضغط على الروابط الغريبة.
أغلب المستخدمين اليوم يعيشون وهم الحماية، بينما أنظمتهم مليئة بنوافذ مفتوحة للمخاطر.
الحماية لا تبدأ بالبرامج، بل تبدأ بالوعي.
اسأل نفسك دائمًا: لماذا يطلب هذا التطبيق إذن الوصول؟ من يقف خلف هذه الشركة؟ لماذا يريدون معرفة موقعي؟ ولماذا يصرّون على مزامنة صوري؟
الأمر الأخطر أن الاختراقات لم تعد تستهدف الأفراد فقط، بل تستهدف العائلات. يكفي أن يُخترق جهاز واحد في المنزل حتى تصبح كل الأجهزة الأخرى جزءًا من شبكة مراقبة غير مرئية.
أما على مستوى الشركات، فالوضع أشد تعقيدًا. هجمة واحدة ناجحة قد توقف الإنتاج، تشلّ الخدمات، تسرّب أسرارًا تجارية، أو تدمّر سمعة بُنيت خلال سنوات.
ومع توسع الحوسبة السحابية والربط المستمر بين الأنظمة، أصبحت السلسلة بأكملها ضعيفة بقدر أضعف حلقة فيها.
لذلك، صار أمن المعلومات مسؤولية يومية، وليس مهمة تُترك للخبراء فقط.
غيّر كلمات المرور باستمرار.
استخدم مدير كلمات مرور موثوق.
لا تترك حساباتك مفتوحة في الأجهزة العامة.
احذف التطبيقات التي لا تحتاجها.
وتذكّر دائمًا: أي جهاز لا تستخدمه—افصله من الشبكة.
في هذا العالم، الخصوصية لم تعد حقًا سهلًا… بل معركة تحتاج وعيًا وانضباطًا، لأن المستقبل لن يرحم من يستهين ببياناته.
م. طلال بن فواز السحيمي