في السنوات الأخيرة تغيّر شكل التهديدات الرقمية بشكل جذري. لم يعد المهاجم يبحث عن ثغرة في نظام التشغيل أو ضعف في كلمة المرور فقط، بل أصبح يبحث عن ثغرة فيك أنت: في قراراتك، عاداتك، خوفك، فضولك، وحتى ردود أفعالك اللحظية أمام الشاشة.
نحن ندخل مرحلة جديدة من أمن المعلومات، مرحلة لم يعد فيها الهجوم سيبرانيًا فقط، بل نفسيًا رقميًا في الوقت نفسه. المهاجم يستغل عقلك قبل جهازك، ويوجهك دون أن تشعر لتأخذ خطوة تقوده هو إلى داخل حياتك.
الهجمات اليوم أصبحت أكثر دهاءً لأنها مصممة لتستهدف الإنسان، لا النظام. رسائل مخصّصة بدقة، إشعارات تشبه إشعاراتك الأصلية، مكالمات صوتية مقلّدة بصوت أشخاص تعرفهم. حتى صور عائلتك يمكن استغلالها عبر الذكاء الاصطناعي لصنع سيناريو كامل يقودك نحو الضغط على الرابط الخطأ.
الخطر الأكبر أن كل شيء تفعله على الإنترنت يولّد نمطًا رقميًا، وهذا النمط يباع ويُشترى. من يعرف نمطك يعرف كيف يخترقك.
ما يجهله الكثير أن المخترق لا يهتم بمدى «أهمية» حياتك، فهو لا يستهدف الأشخاص المهمّين فقط، بل يستهدف أي شخص يمكن استغلاله، وأي جهاز يمكن تحويله إلى نقطة وصول لشبكات أوسع.
الخطر الحقيقي ليس في الاختراق نفسه، بل في أن الضحية لا يشعر به. الهجمات الحديثة صامتة، متخفّية، مبنية على تحليل سلوكك بدقة تجعلها أقرب إلى التنبؤ.
الأمر الأخطر أن أنظمة الذكاء الاصطناعي القادرة على توليد رسائل وصوت وصور واقعية جعلت الهجمات النفس-رقمية أقوى من أي وقت مضى. أصبح من الممكن تقليد أسلوبك في الكتابة، نبرة صوتك، طريقتك في الكلام، وحتى وجهك.
تخيّل أن يتلقى شخص من عائلتك رسالة «منك» تطلب فيها تحويل مبلغ طارئ… وهو في الحقيقة هجوم عميق مصمم بإتقان.
في هذا العالم الجديد، لم تعد كلمة المرور هي خط الدفاع الأول.
خط الدفاع الأول هو عقلك.
وعيك.
قدرتك على التوقف قبل الضغط.
قدرتك على الشك قبل الثقة.
قدرتك على فهم أن الهجمات اليوم ليست تقنية فقط، بل نفسية رقمية، تُبنى على استغلال الإنسان قبل الجهاز.
الحماية الحقيقية تبدأ عندما تدرك أن أي معلومة تشاركها—مهما بدت بسيطة—يمكن أن تتحول إلى سلاح ضدك.
قلّل ظهورك الرقمي.
تحكم في ما تشاركه.
أعد التفكير في كل إذن تمنحه لأي تطبيق.
توقف عن تسجيل الدخول عبر فيسبوك أو جوجل مهما كان الأمر مغريًا.
استخدم المصادقة الثنائية.
وكرّر دائمًا: أنا هو الهدف… ولست استثناء.
في النهاية، نحن نعيش في مرحلة حساسة من تاريخ الأمن السيبراني، مرحلة تحدد من سينجو ومن سيكون هدفًا سهلًا. المرحلة التي تفصل بين القوي والضعيف ليست التقنية… بل الوعي.
م. طلال بن فواز السحيمي
